فوزي آل سيف

69

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

السجود بحد ذاته خضوع وعبادة، فلماذا لم يعتبر هذا عبادة لآدم؟! جميع الملائكة سجدوا لآدم، وحري -بناء على ذلك القول- بأن يشكل عليهم أن ذلك عبادة لآدم، والعبادة ينبغي أن تكون لله وحده. هذا السجود وهذا الفعل لآدم ليس بعبادة؛ لأنه لم يتضمن خضوعًا، بل مجرد استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى. إذن: مسألة الشرك والإيمان ليست كلامًا، وليس فعلًا فقط، وإنما هو الكلام والفعل المشتملان على الاعتقاد والإيمان، فالسجود بالخضوع والذّلة، والافتقار إلى الله معتقدًا بذلك في قرارة نفسه، تصبح هذه عبادة. لو أن مسلمًا طلب من رسول الله صلى الله عليه وآله المغفرة [[232]] والعطاء معتقدًا بأن رسول الله عبد من عبيد الله لا يصنع شيئًا إلا بإذن الله وأمره وإرادته، فهذا عين التوحيد، حتى لو طلب ذلك من أولياء الله [[233]]. مسألة الطواف والادعاء بأنه شرك، فإن ذلك من شأنه أن يجعل جميع حجاج بيت الله الحرام مشركين والعياذ بالله؛ لأنهم يطوفون حول قبر إسماعيل وهاجر [[234]]. فمنذ أن فرض الله الحج وحتى يومنا هذا والحجاج يطوفون حول قبريهما، بل أن بعض أعلام مدرسة الخلفاء كالقرطبي يذهب إلى أن نبي الله شعيب مدفون مقابل الحجر الأسود، ونقل عن بعضهم ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيًا جاءوا حجاجًا فقبروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين[[235]]. فكيف يكون الحجاج يطوفون وهم في مركز الأرض للتوحيد في الكعبة المشرفة بقبر أحد الأنبياء، وإحدى الأولياء لله سبحانه وتعالى - بالقدر المتيقن من مدفن إسماعيل وأمه-. فأين دعوة الطواف بأنها مدعاة للشرك، وكيف تصمد أمام هذه الشواهد؟! قبر سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله حيث دفن في منزله[[236]]، وفي حجرة زوجته. السؤال المطروح: هل كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله جدران وعليه سقف وبناء؟! إذا لم يكن فيه بناء فهذا غير معهود!! وإذا كان كذلك فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله بما في ذلك زوجاته خالفوا هذا الأمر، إذ لا يجوز أن يكون هناك بناء على القبر -على رأي المدرسة السلفية- وليس ثمة فرق بين أن يكون البناء قائم أم تم تشييده فيما بعد؟ وكيف سوّغ وجوّز أن يدفن رسول الله في مكان عليه بناء وفيه سقف وما شابه ذلك؟ ثم إن الخلفاء الذين دفنوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسوا بأنبياء، ولم يقبضوا في نفس المكان، بل أُوتي بهم إلى محل ما دفن فيه الرسول، وكان ذلك بمحضر الصحابة الذين - كما تدعي هذه المدرسة - بأن قولهم وفعلهم وتقريرهم حجة، فهل يعقل بأن يقروا على شيء باطل؟ وكيف سكت أصحاب رسول الله قاطبة على مثل هذا الأمر؟!

--> 232 ] بناء على قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} 233 ] [يقول الحافظ محمد بن حبان (ت: 354هـ)، في كتابه الثقات: ج8، ص456، في ترجمة الإمام الرضا عليه السلام: علي بن موسى الرضا له قبر مشهور قد زرته مراراً كثيرة وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس، فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جدّه وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مراراً فوجدته كذلك أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم أجمعين] 234 ] وهو ما يعرف بـ(حجر إسماعيل) والذي بناه إسماعيل بعد أن ماتت أمه هاجر. 235 ] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج2، ص130. 236 ] يرى أعلام مدرسة الخلفاء بأن كلّ نبي يدفن محلّ قبضه، ولا يدفن في مكان آخر [راجع: سنن الترمذي: ج2، ص242].